المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : العــراق اسطـــورة لن تندثر بقلم : رعد خالد تغوج


ريحانة الأردن
12-11-2011, 05:53 PM
قال الغزالي يوما إن العراق أرض للمال طيبة وغنية، وفي نفس الوقت ،وبعلاقة ضدية مع هذا الوصف زاد أيضا: لكنها للمفاليس دار السأم والضيق ،وكأي فيلسوف أخر حاول أيجاد تشابيه لهذا البلد الذي أخرج صفوة من المفكرين والعلماء عبر تاريخه الطويل،فلم يجد تشبيها للفقراء فيها أغرب وأقرب للخيال والهرطقة غير تشبيه حال الفقير فيها بحال" الزنديق وفي منزله مصحف".

وربما كان الغزالي على حق فيما لو تأملنا ما قاله أبن عبد ربه في كتابه"العقد الفريد" وما تناوله أيضا ابن بطوطة في كتابه الغرائبي" الرحلات" ،من وصف لحواضر بغداد العريقة،والتي كانت عصرئذ مضربا للعلماء والفقهاء ،يتسامرون فيها أناة الصيف وأطراف الشتاء ومن أزقة بغداد العتيدة إلى أروقة الكوفة التليدة .يضيف الدكتور بهنام أبو الصوف ،عالم الآثار العراقي ،المشهور عالميا بسبب تنقيباته في منطقة نمرود وبغداد والموصل ،بأن العراق ينبع على نهرين ،نهر من النفط والمال والذهب ،ونهر من الآثار ،مؤكدا أن التاريخ يكتب من باطن الأرض فقط ،وهو عنوان كتابه الجديد ،والذي جاء كرد فعل ،بشكل أو أخر على أدعائات اليهود التي زيفت التاريخ عبر إيمانها بالأساطير التوراتية فشوهت صورة بغداد ،أو "بعلداد" كما هو وارد عندهم ،دون أن يدعي الدكتور بهنام أي سلطة مارسها هو لاسترداد هذا التزوير ،فبغداد شاهده بحالها على عراقتها ونقاء جوهرها التاريخي ،ولا تحتاج إلى من يقف ليعيد لها ما أستهبله الآخرون من قدها وقضيضها ،ولو تأملنا ما سرده السيد جميل أبو طبيخ في سفره الرائع "مذكرات بغداد" من حوادث جرت منذ تأسيس بغداد كعاصمة للدولة الإسلامية أبان الحكم العباسي ،لانجلى الحق التاريخي أمامنا ولزالت الغشاوة الجغرافية التي طمست أبصارنا ،وذلك لا لأن بغداد عاصمة كباقي العواصم ،بل العكس هو الصحيح ،حيث يملك هذا البلد خصوصية تاريخية وجغرافية جعلته محط أنظار المستعمرين من أيام هولاكو ونينوى وغيرهم ،ووصولا إلى العصر الحديث والغزو البربري المعاصر كما سماه الصحفي الانجليزي روبرت فيسك.

تعرض العراق لما يزيد عن عشر غزوات خارجية وانقلابات داخلية في مرحلة لا تزيد عن قرن ، هو القرن العشرين ، بما يعني أن العراق تعرض كل عشرة سنين تقريبا لحدث تاريخي أو محك تاريخي أن جاز هذا التعبير،وما يعني في النهاية أن ذلك الشعب الذي يقطن تلك الرقعة الجغرافية من تلك الأرض النامية ،يملك أرادة صلدة تند عن الوجود عند كافة شعوب العالم ،لأن البداهة التاريخية تقول أنه يستحيل على بلد أن يعمر نفسه ويزدهر في مرحلة ما بعد الحرب أو الاستعمار في غضون عشر سنين فقط ،وهذا ما خالفه كامل المخالفة الشعب العراقي ،لا بقوله فقط بل بفعله ،حيث أن الأعمار والازدهار هو دائما في مواجهة ما أسماه هيغل مكر التاريخ ،عند الشعب العراقي .
والسوأل الذي يطرح نفسه بأسى ،كيف يمكن لمؤول الحضارة والتاريخ والجغرافية ،ولمؤول العلم والفكر والدين ،أن يأتي ومن يرتشف من خيراته ويكتسي من موائده ،دون أن يكون هذا هو المكر التاريخي الذي قال عنه هيغل ؟